مقدمة
إنه بحقٍّ سباق تسلّحٍ في الذكاء الاصطناعي. فمن يُتقِنه أكثر سيجني ازدهارًا أكبر، لأنه سيرفع ناتجه المحلي الإجمالي بوتيرةٍ غير مسبوقة. أمّا الشركات والأمم المتأخّرة فستجد نفسها على الجانب الخطأ من فجوة تنافسيةٍ آخذةٍ في الاتّساع.
تستخدم الشركات الرائدة في السوق الذكاء الاصطناعي مكوّنًا أساسيًّا في نموذج أعمالها، ولتُميِّز نفسها عن المنافسين.
وسنوضّح هنا منافع الذكاء الاصطناعي بسرد بعض حالات الاستخدام الملموسة المُقنِعة التي يولّد فيها بالفعل قيمةً اقتصادية.
فئتان عريضتان
سنقسّم أبرز حالات الاستخدام لدينا إلى فئتين عريضتين يمكن أن تُخلَق فيهما القيمة:
1- الكفاءات التشغيلية (Op$)
الكفاءة التشغيلية هي في جوهرها القدرة على إنجاز المزيد بموارد أقلّ. فثمّة عملياتٌ كثيرة جدًّا في كلّ مؤسسة يمكن إعادة تصوّرها بإدخال مزيدٍ من تحليلات البيانات وبرمجياتٍ أذكى، لا سيّما إذا دمجنا مُستشعِرات إنترنت الأشياء (IoT) وربّما شيئًا من الروبوتات. ومن الأمثلة السهلة التصوّر أن نتأمّل كيف أُتمِتَت الزراعة في القرن الماضي فأنتجت محاصيل أوفر بموارد بشريةٍ أقلّ بكثير. وللذكاء الاصطناعي إمكانٌ لإحداث قفزةٍ مماثلة في الإنتاجية.
2- تجربة العميل (CEX)
لتجربة العميل أوجهٌ كثيرة، لكنها تتلخّص في مدى سهولة منتجاتك أو خدماتك وسرعتها وملاءمتها و/أو متعتها من منظور المستخدم عند كلّ نقطة تماسٍّ في رحلة العميل. وقد غدت تجربة العميل المُمايِز التنافسي الأبرز في العصر الرقمي (تأمّل أمازون). فما أتاحه الإنترنت والتجارة الإلكترونية من تجربة تسوّقٍ أيسر كان قفزةً نوعيةً عن المتاجر التقليدية. ومع الذكاء الاصطناعي و«علم رحلة العميل» (Journey Science) صار بمقدورنا اليوم تحقيق قفزةٍ كبيرةٍ أخرى في تجربة العميل، يرتفع معها تأييد عملائك لشركتك (NPS) وتنخفض تكاليف اكتساب العملاء والاحتفاظ بهم.
قطاعاتٌ في دائرة الضوء
ثمّة عددٌ كبير من حالات استخدام البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي تنطبق على كلّ صناعة. وفي ما يلي بعض حالات الاستخدام في سياقَي الاتصالات والمدينة الذكية، لتستلهم منها حالتك الخاصة.
1- الاتصالات
إدارة رحلة العميل حالة استخدامٍ غيّرت قواعد اللعبة في البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، ولها تطبيقاتٌ في كلّ صناعة من التجزئة إلى الاتصالات.
عادةً ما يعالج مستودع البيانات التقليدي لدى مزوّدي خدمات الاتصالات نسبةً صغيرة فقط من بيانات العملاء المتاحة ويحلّلها. وقد تبنّى مزوّدو خدمات الاتصالات تحليلات البيانات الضخمة كَكفاءةٍ استراتيجية لأسبابٍ عدّة:
- لاكتساب رؤًى حول رحلة العميل
- لتحسين تجربة العميل وولائه
- لمواجهة الضغط النازل على إيراداتهم
- للاستعداد لشبكات الجيل الخامس (5G) وإنترنت الأشياء
وقد ازدادت الحاجة المُلِحّة إلى ذلك أضعافًا مضاعفة مع القدوم الوشيك لخدمات إنترنت الأشياء.
2- المدينة الذكية
تنطوي حالات استخدام المدينة الذكية على إمكانٍ لتحسين حياتنا واقتصاداتنا.
ومن دوافع تبنّي المدينة الذكية النموّ السكّاني والهجرة نحو المدن، ممّا يُولِّد ضغطًا على البيئة وموارد المدينة. ومن ثَمّ صار التقدّم في التقنيات الرقمية (ومنها إنترنت الأشياء) مصدر إلهامٍ لإعادة تصوّر الحياة الحضرية بغية خفض تكاليف الحوكمة (Op$) وتوفير نمط حياةٍ أفضل للمواطن (CEX).
وقد أطلقت كبرى مدن منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (EMEA) مبادرات طموحة للمدن الذكية. وهي مشاريع كبرى من حيث النطاق والحجم، تتجاوز بكثيرٍ ما تتعامل معه الشركات الكبرى. فالمدن الذكية تضمّ جهاتٍ حكومية كثيرة وتشمل شراكاتٍ بين القطاعين العام والخاص، ولذا يتطلّب تحقيقها هندسة «نظام أنظمة» مُعقَّد. وسيؤدّي الذكاء الاصطناعي دورًا كبيرًا في رفع مستوى أتمتة العمليات (Op$) وتمكين خدماتٍ «ذكية» أكثر ابتكارًا (CEX).
3- التأمين
ماذا لو وجدت شركات التأمين سُبُلًا لتقييم المخاطر بدقّةٍ أعلى بكثيرٍ بالاستفادة من تحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي؟ ولكشف الاحتيال مبكرًا؟ وتقديم أدلّةٍ تدعم رفض مطالبةٍ ما؟ وتوفير تأمينٍ على السيارات بالاستخدام الفعلي وأسلوب القيادة؟ لقد بدأ كثيرٌ من شركات التأمين الرائدة هذا المسار قبل سنوات. وثمّة قصص نجاح، والتجارب تتوسّع وتُصقَل. فمن تأمين السيارات إلى التأمين الصحّي، هناك حالات استخدامٍ جديرةٍ بالملاحظة ستُفضي إلى إعادة تشكيل نموذج أعمال التأمين.
4- وغيرها الكثير
في ما يلي قائمةٌ بمئة شركةٍ ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي أو تبيعه لتتحدّى الشركات القائمة في طائفةٍ من الصناعات عام 2020. وعلى الأرجح هناك آلافٌ غيرها حول العالم تستعدّ للانطلاق. ونحن لا نزال في المراحل الأولى من هذه الموجة التحويلية، مع توقّعاتٍ بأن يكون النموّ أُسّيًّا بمرور الوقت.
تستطيع الشركات القائمة، بل ينبغي لها، أن تدافع عن مواقعها الريادية بإطلاق مبادرات تحوّلٍ رقميٍّ تمتدّ عميقًا داخل مؤسستها. وكلّ ما في النظام القديم ينبغي أن يكون مفتوحًا للتساؤل والتمحيص، بما في ذلك التساؤل عن ماهية العمل الذي تزاوله حقًّا، وأيّ خطوط أعمالٍ أخرى يمكنك إطلاقها بالتوازي، ومدى ملاءمة نموذج أعمالك الحالي. وإلّا فقد تظهر قريبًا في مرآتك الخلفية إحدى آلاف الشركات الناشئة المُشبَّعة بالذكاء الاصطناعي (أو شركةٌ قائمةٌ بعد تحوّلها).