هذه قصة حقيقية من مسيرتي الطويلة في تصميم حلول البرمجيات وتنفيذها.
قبل سنوات من تداول الناس عبارة «تجربة ذكاء اصطناعي»، أطلق مزوّد خدمات اتصالات منصة ولاء للمشتركين. وقد أدّت المنصة ما بُنيت له بالضبط: كانت تقرأ الاستخدام الحقيقي للمشتركين، من حجم المكالمات والرسائل النصية (SMS) وتصفّح الإنترنت وسداد الفاتورة في موعده، وتمنح على أساسه نقاط ولاء دقيقة، في بيئة الإنتاج، يومًا بعد يوم. واحتُفي بالإطلاق، وكان الاحتفاء في محلّه؛ فالهندسة كانت سليمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن موقفٍ يخوّلني، لأن ذلك كان عملي أنا: كنت مدير المنتج لحلّ الولاء ذاك في شركة برمجيات رائدة، صاحبة عملي آنذاك، وقد تولّيت تصميمه وتنفيذه.
أما ما لم يُبنَ بالقدر الكافي فهو جانب التشغيل والصيانة المستمرة. كانت ميزانية المتابعة التشغيلية ضئيلة، واستقر تشغيل المنصة، كما يحدث عادة في مثل هذه الأحوال بهدوء، على عاتق «بطل» واحد مقتدر في إدارة تقنية المعلومات. والبطل شخص، لا نموذج تشغيل. وحين احتاجته مهام أخرى، ظلت المنصة تمنح النقاط، لكن برعاية أقل بكثير مما يحتاجه نظام في طور الإنتاج.
والقيمة؟ اعتُمدت دراسة الجدوى على توقّع مفاده أن المشترك الوفي يبقى مدة أطول وأن معدل فقدان العملاء (Churn) ينخفض. وكان الولاء ومعدل الفقدان في صدارة اهتمامات الإدارة التنفيذية، وكانت مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) لهما تُراقب عن كثب. الغائب الوحيد كان الإسناد (Attribution): لم تُحدَّد مسبقًا معادلة تبيّن النسبة التي تُحسب للمنصة من حركة الولاء وفقدان العملاء. وهكذا بقيت قيمة المنصة حبيسة مؤشرات لا سبيل لها إلى ادعاء نصيبها منها.
ثم أخذت المنصة تجوع ببطء، على مدى سنوات عدة، وهي في طور الإنتاج. ظلت تعمل، غير أن جودة البيانات التي تستهلكها لم تكن تُراقب وتُعالج بانتظام، فتدهور الأداء وتزايد استياء العملاء. وفي نهاية المطاف استُبدل بها حلٌّ كلّف أكثر من الأصل، وهو معرَّض للمصير نفسه ما لم يُطرح في المرة الثانية السؤالان اللذان أُغفلا في المرة الأولى.
احسب كلفة ذلك الإخفاق: البناء كاملًا، والتكامل مع الأنظمة، وأشهر إنتاج بموارد غير كافية، والفقد الصامت لقدرةٍ اعتاد العمل الاعتماد عليها، ثم الثمن الكامل للحل البديل. التجربة التي تفشل لا تكلّفك سوى درسٍ تتعلّمه، أما نظام الإنتاج الذي ينجح ولا مالك يرعاه فتدفع ثمنه مرتين.
فشل لأنه نجح
وهنا الجزء غير المريح: هذه المنصة تجاوزت كل عتبةٍ تجاهد تجارب الذكاء الاصطناعي اليوم للوصول إليها. وصلت إلى الإنتاج، وكانت دقيقة عند الإطلاق، وعملت أشهرًا. ومع ذلك صارت أغلى أنواع الإخفاق، لأن النجاح هو بالضبط ما يكشف الانضباطين اللذين يمكن لدراسة الجدوى أن تتخطاهما.
أ) إثبات اقتصاديات الحالة التشغيلية. أثبتت دراسة الجدوى كلفة البناء، أما التشغيل فلم يُثبَت بالصرامة نفسها: كم يكلّف إبقاء النظام مغذًّى ومعتنًى به وموثوقًا لأشهر، وهل تظلّ الغنيمة تستحقّ ذلك. والسؤال الذي يحسم الأمر، ويُطرح قبل الإنتاج: إذا نجح هذا، فهل يظلّ امتلاكه مجديًا لأشهر؟
ب) امتلاك تحويل المكاسب إلى قيمة. برّر «خفض فقدان العملاء» الاستثمار، لكن من دون معادلةٍ محدَّدة مسبقًا تُسند إلى المنصة نصيبها من حركة المؤشر لم يكن ادّعاء تلك القيمة ممكنًا، وما لا يمكن إسناده لا يمكن امتلاكه. والسؤال: من يملك خط القيمة؟ اسم، وتفويض، ورقم يُنتظَر أن يتحرّك، ومعادلة إسنادٍ متّفق عليها قبل الإطلاق.
الذكاء الاصطناعي يضخّم كلفة إخفاق أنظمة الأعمال المساندة التقليدية
تُرفَّع تجارب الذكاء الاصطناعي اليوم إلى حياة الإنتاج هذه عينها، لكن باقتصاديات تشغيلٍ أقل تسامحًا لا أكثر. فكلفة الاستدلال (Inference) تنمو مع الاستخدام، والنماذج تنحرف (Drift) وتحتاج إلى تقييم، والمخرجات تحتاج إلى إشراف بشري، وسجل التدقيق يحتاج إلى مالك. ولأن هذه الأنظمة تتخذ قراراتها ذاتيًا، فإن الساعة تدور أسرع: نظام ذكاء اصطناعي ضعيف الحوكمة في طور الإنتاج قد يُلحق من الضرر المالي في أشهرٍ ما يحتاج نظام تقليدي إلى سنوات لمراكمته.
بلغ تبنّي المؤسسات للذكاء الاصطناعي 88% (وكلمة «التبنّي» هنا تُعرَّف بمعنى واسع: أيّ استخدامٍ للذكاء الاصطناعي في وظيفة أعمال واحدة على الأقل)، بينما لا يزال نشر الوكلاء في الإنتاج في خانة الآحاد في كل وظائف الأعمال تقريبًا.[1] وتجد النمذجة على مستوى المهام أن حصة كبيرة من مكاسب إنتاجية الذكاء الاصطناعي تصل بوصفها طاقةً متحرّرة لا كلفةً مزالة (نحو الثلث في إحدى حالات المؤسسات المنمذجة)، وأنها لا تتحوّل إلى قيمة أعمال إلا حين يعيد أحدهم توجيهها عن قصد.[2] فالطاقة المتحرّرة التي لا مالك لها تذوب ببساطة في يوم العمل من جديد. وتشير أدلّة الاستبيانات إلى الاتجاه نفسه من جهة الحوكمة: المؤسسات التي تُسند ملكية ضوابط الذكاء الاصطناعي فيها إسنادًا واضحًا تُبلغ عن نضجٍ أعلى بوضوح، والمؤسسات التي تستثمر بجديةٍ أرجح كثيرًا أن تُبلغ عن أثر ملموس في الأرباح.[3]
ليس في ذلك دليلٌ على أن تجربتك ستفشل؛ بل هو شاهدٌ على أن الانضباطين المُغفَلين، الإثبات والامتلاك، ما زالا هما ما يقرّر كم يكلّف النجاح.
إطار الجناحين للذكاء الاصطناعي هو الإطار الذي وضعته لاتّقاء هذا النوع من الإخفاق تحديدًا، وأكثر منه بكثير.
كثيرٌ من مبادرات الذكاء الاصطناعي سيُرفَّع إلى الإنتاج من دون أن يُطرح أيٌّ من السؤالين. ولا يلزم أن تكون مبادرتك واحدةً منها.
المراجع
- Stanford Institute for Human-Centered AI، «تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026» (أبريل 2026): تبنّي المؤسسات للذكاء الاصطناعي 88% (مُعرَّف بمعنى واسع بأنه أيّ استخدامٍ للذكاء الاصطناعي في وظيفة أعمال واحدة على الأقل)، ونشر الوكلاء في الإنتاج في خانة الآحاد في كل وظائف الأعمال تقريبًا.
- Accenture وكلية Wharton، «عصر الذكاء التشاركي» (The Age of Co-intelligence، مارس 2026): حالة مؤسسةٍ منمذجة وصل فيها نحو ثلث مكاسب الإنتاجية طاقةً متحرّرة لا كلفةً مزالة، مع تحديد النموّ عبر إعادة التوجيه المتعمّد رافعةً أولى للقيمة.
- McKinsey & Company، «حالة الثقة في الذكاء الاصطناعي 2026: التحول إلى عصر الوكلاء» (مارس 2026): استبيان شمل نحو 500 مؤسسة؛ الملكية الواضحة المساءولة لضوابط الذكاء الاصطناعي مقترنة بنضجٍ متوسطه 2.6 مقابل 1.8 من دونها، والمؤسسات المستثمرة أكثر من 25 مليون دولار في الذكاء الاصطناعي المسؤول أرجح كثيرًا أن تُبلغ عن أثرٍ في الأرباح قبل الفوائد والضرائب (EBIT) يتجاوز 5%. نتائج مُبلَّغة استبيانيًا، لا نتائج مدقَّقة.
