تعافي اقتصاد أفريقيا بعد جائحة كوفيد-19
مقدمة
دفعت جائحة كوفيد-19 الصحّية الاقتصاد العالمي إلى انكماشٍ حادّ. وفي أفريقيا، تهدّد بإغلاقٍ واسعٍ للأعمال وفقرٍ أعمق. وقد ظلّت الحكومات وقادة الأعمال يتحاورون بحثًا عن أفضل الصِّيَغ للحدّ من الضرر الاقتصادي وحماية أكثر شرائح المجتمع هشاشة. وبصفتي مشاركًا منتظمًا في هذه النقاشات، واقتصاديًّا مُتمرِّسًا، وتقنيًّا مُمارِسًا، حدّدتُ ثلاث ركائز للنموّ الاقتصادي المستدام والعادل، هي الأوثق صِلةً بالسياق الأفريقي.
ولكي يكون النموّ شاملًا، لا بدّ أن تستفيد منه جميع شرائح المجتمع. وفي هذا الصدد، جاء العصر الرقمي بمُعادِلٍ جديد، أصلٍ اقتصاديٍّ يملكه كلّ إنسان، خلافًا للمناجم والمصانع. ويمكن تنميته عبر تعليمٍ مُحدَّد ليصير وسيلةً رائدةً للإنتاج الاقتصادي. إنه قدراتنا الفكرية. فالمزيد من المعرفة من النوع الصحيح قادرٌ على أن يجلب لأفقر سكّان أفريقيا وظائف العصر الرقمي المكتبية المُجزِية. والارتقاء بالعمّال اليدويين إلى عمّال معرفة، وبعمّال المعرفة إلى عمّالٍ يتعلّمون باستمرار، هو خطّة التنمية التي ستحقّق أكثر التعافي عدلًا واستدامة.
كيف يمكننا تحقيق ذلك؟ لنستلهم بعض الإلهام من روّاد فكرٍ مرموقين، ثم من حكوماتٍ ومؤسّساتٍ طبّقت هذا المفهوم على أرض الواقع.
اقتصاد المعرفة
أوّل من ذكر «عامل المعرفة» كان الاقتصادي الشهير بيتر دراكر عام 1959، واصفًا به مَن يتطلّب عمله أن «يُفكِّر ليكسب رزقه». وتلك الطبقة الأرفع الجديدة من العمّال المُدرَّبين تدريبًا خاصًّا تُطبِّق المعرفة التحليلية لتطوير المنتجات والخدمات. وفي هذا العصر الرقمي، باتت هذه المنتجات والخدمات أكثر قيمةً من أيّ وقت، إذ تقوم عليها أكبر شركات سوق الأسهم. وقد كان على عامل المعرفة هذا أن يتطوّر مع التقدّم التقني المتواصل، ممّا جعل التدريب المستمرّ ضرورة. ومن هنا برز «العامل المتعلِّم» الذي يقوم عليه الاقتصاد الرقمي الجديد، وهو المورد الذي نحتاج نحن في أفريقيا إلى تنميته أكثر.
غير أن المزج بين التعليم والتدريب والسياسات لإعداد تركيبة القوى العاملة المناسبة لعقد العشرينيات يتطلّب تفكيرًا مُتأنّيًا. فينبغي النظر في أقصر مسافةٍ بين التدريب والوظائف وارتفاع الدخل الوطني. وليست كلّ المناهج تُؤتي النتائج المرجوّة. وفي العصر الرقمي ومع قدوم الثورة الصناعية الرابعة، يجب أن تحظى تقنيات المعلومات والاتصالات بتمثيلٍ أكبر حتى نبلغ المُخرجات المنشودة على المستويين الجزئي والكلّي. فعمل المعرفة في زماننا يتطلّب تعلّمًا مستمرًّا لمواكبة التطوّرات التقنية المتسارعة والمتقاربة. ولذلك ينبغي إعطاء الأولوية للتدريب على تقنيات المعلومات والاتصالات، إذ غدا المُمكِّن الرائد للنموّ في كثيرٍ من القطاعات والصناعات.
البنية التحتية لتقنيات المعلومات والاتصالات
تُحدِث شركات تقنيات المعلومات والاتصالات اليوم أثرًا هائلًا في التنمية الاقتصادية بتحويلها كثيرًا من جوانب الأعمال والمجتمع. فقد غيّرت صناعاتٍ عديدة، من الإعلام والتجارة إلى المصارف والسفر والتصنيع، حتى الصناعات الطبية والزراعية التي تُنقِذ الأرواح. وهي تؤثّر في صناعاتٍ أكثر ممّا يسعنا حصره، ولها إمكانٌ هائل لإعادة تعريف القطاعين العام والخاص وظروف عيشنا وإعادة ابتكارها. ومع كوفيد-19، تضاعف اعتمادنا على هذه التقنيات فجأةً أضعافًا مضاعفة. فاتصال الإنترنت والمنصّات السحابية بمختلف أنواعها هما العمود الفقري للعمل من المنزل وللتعلّم عن بُعد من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة. واليوم، تلمس هذه التقنيات كلّ جانبٍ وركنٍ من حياتنا، من طريقة تعلّمنا وعملنا وتفاعلنا مع أصدقائنا وعائلتنا، إلى طريقة إدراكنا للعالم عمومًا. وجودة حياتنا متوقّفةٌ عليها. وبما أننا نصبو إلى نموٍّ شامل، فمن الضروري أن نَصِل كلّ مواطنٍ بهذه الوسيلة الجديدة للإنتاج الاقتصادي، ونجعلها وفيرةً ومتاحةً للجميع. فذلك يُمكِّن المزيد من «العمّال المتعلّمين» من التطوّر باستقلالية وبلوغ كامل إمكاناتهم، ويجلب الازدهار إلى كلّ أرجاء البلاد لا إلى جيوبٍ مختارةٍ قليلة. كما يُيسِّر الاتصال ركائز أخرى للتنمية الاقتصادية، كالوصول إلى الخدمات المالية الرقمية والتجارة الإلكترونية.
وفي عام 2011، أشار تقريرٌ مُقدَّمٌ إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أنه «من دون الوصول إلى الإنترنت، الذي يُيسِّر التنمية الاقتصادية والتمتّع بطائفةٍ من حقوق الإنسان، تظلّ الفئات المُهمَّشة والدول النامية حبيسة وضعٍ مُجحِف، ممّا يُديم أوجه عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها». وقد عدّت بعض البلدان هذا الوصول حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان مُطبَّقًا في قوانين أو قراراتٍ قضائية، ومن أمثلتها فرنسا عام 2009، وفنلندا عام 2010، والهند عام 2019. وضمنت بلدانٌ أخرى، كإسبانيا، «خدمةً شاملة» للنطاق العريض بأسعارٍ معقولة منذ عام 2011، متاحةً على مستوى البلاد.
التوظيف المُجزي
لا بدّ أن يقترن تدريب «عامل المعرفة» ببرامج إلحاقٍ بالعمل لهذه الفئة الفكرية المُستحدَثة المتنوّعة اجتماعيًّا. وقد أظهر كوفيد-19 بوضوحٍ أكبر أن على السياسة الحكومية أن تُعزّز نماذج مستدامة وعادلة يحظى فيها الجميع بفرصٍ متكافئة. وإلّا انتهينا بلا شبكات أمانٍ اجتماعي للعمّال غير المُدرَّبين، فنُديم الفقر ونواجه خطر ما يصحبه من اضطراب.
ولتحقيق نموٍّ اقتصاديٍّ شامل، يجب خفض حواجز الدخول إلى سوق عمل المعرفة. وإلّا فإن الاستثمار في التدريب لا يُفضي إلى دورةٍ فاضلةٍ كاملة. وينبغي أن تقوم هذه البرامج على الجدارة وأن تتجنّب المحاباة لتُهيّئ تكافؤ الفرص. فالأمر ليس مجرّد وصل الناس بالإنترنت، بل وصلٌ حكيمٌ لكلّ نقاط النجاح.
ومن أمثلة المبادرات التعليمية التي لفتت انتباهي خلال الجائحة «أكاديمية هواوي لتقنية المعلومات والاتصالات» بحضورها واتّساع نطاقها وحجم أنشطتها. فهي تتجاوز التعليم المجّاني بتنظيم مسابقاتٍ وأنشطة إلحاقٍ بالعمل في أنحاء القارّة. وهي جزءٌ من منظومةٍ ناشئة تتألّف من جهاتٍ مختلفة (منظّمات غير حكومية، وتعاونيّات مهنية، وشراكات بين القطاعين العام والخاص) تعمل معًا، عبر اللقاءات الافتراضية أساسًا، على رسم وتنفيذ استراتيجيةٍ لتعافٍ اقتصاديٍّ عادلٍ ومستدام.
خاتمة
ختامًا، يعتمد تعافي اقتصاد أفريقيا اعتمادًا كبيرًا على مزيجٍ من التعليم، والبنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات، والتعلّم مدى الحياة، وسياسات التوظيف الشاملة لكلّ الشرائح الاجتماعية.
فلنتخيّل معًا إمكانات هذا المستقبل القائم على اقتصاد المعرفة: صناعاتٌ تُولَد أو تزدهر، ومجتمعٌ أكثر عدلًا. ولنُفكِّر في كيفية وضع أهدافٍ قصيرة وطويلة الأمد، طموحةٍ لكنها قابلةٌ للتحقيق بإرادةٍ كبيرة.
عن الكاتب: سامي الطياره، مؤسِّس شركة الاستشارات Aiconomica التي تغطّي منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، خبيرٌ في تقنية المعلومات والاتصالات والتحوّل الرقمي.
نُشِر هذا المقال أيضًا بالفرنسية في صحيفة Le Matin.